القرطبي

416

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

وروي عن ابن عباس أنه قال : لا يقبل من كافر عمل ولا توبة إذا أسلم حين يراها إلا من كان صغيرا يومئذ ، فإنه لو أسلم بعد ذلك قبل ذلك منه ، ومن كان مؤمنا مذنبا فتاب من الذنب قبل منه . وروى عن عمران بن حصين أنه قال : إنما لم تقبل وقت الطلوع حتى تكون صيحة فيهلك فيها كثير من الناس فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت ثم هلك لم تقبل توبته ، ومن تاب بعد ذلك قبلت توبته . ذكره الليث السمرقندي في « تفسيره » . فصل واختلفت الروايات في أول الآيات ؛ فروي أن طلوع الشمس من مغربها أولها على ما وقع في حديث مسلم في هذا الباب . وقيل : خروج الدجال ، وهذا القول أولى القولين وأصح لقوله عليه الصلاة والسلام : « إن الدجال خارج فيكم لا محالة » الحديث بطوله . فلو كانت الشمس طلعت قبل ذلك من مغربها ، لم ينفع اليهود إيمانهم أيام عيسى عليه السلام ، ولو لم ينفعهم لما صار الدين واحدا بإسلام من أسلم منهم . وقد تقدم القول مبينا في هذا ، وأن أول الآيات الخسوفات ، فإذا نزل عيسى عليه السلام وقتل الدجال خرج حاجا إلى مكة فإذا قضى حجه انصرف إلى زيارة سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فإذا وصل إلى قبر الرسول صلى اللّه عليه وسلم أرسل اللّه عند ذلك ريحا عنبرية فتقبض روح عيسى عليه السلام ومن معه من المؤمنين ، فيموت عيسى عليه السلام ويدفن مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في روضته ، ثم تبقى الناس حيارى سكارى فيرجع أكثر أهل الإسلام إلى الكفر والضلالة وتستولي أهل الكفر على من بقي من أهل الإسلام ، فعند ذلك تطلع الشمس من مغربها ، وعند ذلك يرفع القرآن من صدور الناس ومن المصاحف ، ثم تأتي الحبشة إلى بيت اللّه فينقضونه حجرا حجرا ويرمون بالحجارة في البحر ، ثم تخرج حينئذ دابة الأرض تكلمهم ، ثم يأتي دخان يملأ ما بين السماء والأرض ، فأما المؤمن فيصيبه مثل الزكام ، وأما الكافر والفاجر فيدخل في أنوفهم فيثقب مسامعهم ويضيق أنفاسهم ، ثم يبعث اللّه ريحا من الجنوب من قبل اليمن مسّها مس الحرير وريحها ريح المسك فتقبض روح المؤمن والمؤمنة ، وتبقى شرار الناس ، ويكون الرجال لا يشبعون من النساء والنساء لا يشبعن من الرجال ، ثم يبعث اللّه الرياح فتلقيهم في البحر ، هكذا ذكر بعض العلماء الترتيب في الأشراط وفيه بعض اختلاف وقد تقدمت الإشارة إليه فما تقدم ، واللّه أعلم . وقيل : إذا أراد اللّه انقراض الدنيا وتمام لياليها وقربت النفخة خرجت نار من قعر عدن لتسوق الناس إلى المحشر تبيت معهم وتقيل معهم ، حتى يجتمع الخلق